وكالة مهر للأنباء: بعد ساعات قليلة من نشر أنباء استيلاء الحرس الثوري الاسلامي على مركبة أمريكية مسيرة تعمل تحت سطح الماء عند مدخل مضيق هرمز، حاولت واشنطن تقديم رواية مختلفة للحادث؛ إذ زعمت أن النظام المستولى عليه عبارة عن جهاز قديم ومعطل ويفتقر إلى معدات حساسة. ومع ذلك، فإن فحص المواصفات الفنية وموقع هذا النظام ضمن البرامج العسكرية الأمريكية الحديثة يثير تساؤلات جدية حول هذه الرواية.
وكان الحرس الثوري الإسلامي قد أعلن أمس عن الاستيلاء على نظام أمريكي مسير يعمل تحت سطح الماء عند مدخل مضيق هرمز، موضحاً أن العملية نُفذت في إطار إجراء استخباراتي وعملياتي معقد.
كما قارنت التحليلات الأولية في وسائل الإعلام العسكرية المتخصصة الصور المنشورة لهذا النظام بمنتج "Dive-LD" التابع للشركة الأمريكية "أندوريل" (Anduril)؛ وهو نظام -خلافاً للانطباع الأولي بأنه مجرد "روبوت بحري بسيط"- يُعد مركبة كبيرة ذاتية القيادة تعمل تحت سطح الماء، وقادرة على حمل مجموعة من أجهزة الاستشعار وحمولات المهام.
ما هي الرواية التي قدمتها الولايات المتحدة؟
في تعليقها الأولي، حاولت واشنطن التقليل من أهمية الحادث؛ حيث أعلن متحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية أن النظام المعني كان قد تعرض لعطل فني قبل أكثر من يوم من عملية الاستيلاء، وأن الجيش الأمريكي لم يعد يسيطر عليه. ووفقاً للرواية الأمريكية، فإن الجهاز كان طرازاً قديماً لا يجمع معلومات حساسة ويفتقر إلى معدات السونار والرادار المصنفة (السرية).
وبطبيعة الحال، تغفل هذه الرواية نقطة هامة عن الرأي العام: وهي أن قِدم المنصة لا يعني بالضرورة أنها غير مهمة أو عديمة القيمة؛ لا سيما عندما تحتل هذه المنصة مكانة محددة في هيكلية الحرب الأمريكية المستقبلية، وتحديداً الحرب القائمة على الأنظمة ذاتية القيادة والأنظمة المسيرة.
ما هو نظام "Dive-LD" بالضبط؟
تُعرّف شركة "أندوريل" الأمريكية -التي تصنّع هذا النظام- "Dive-LD" بأنه "مركبة كبيرة ذاتية القيادة تعمل تحت سطح الماء". وفقاً للمواصفات الرسمية للشركة، يبلغ طول Dive-LD حوالي 5.8 متر وقطره 1.2 متر، ويمكنه العمل على عمق يصل إلى 6 آلاف متر وتنفيذ مهام بشكل مستقل لمدة تصل إلى 10 أيام. والأهم من ذلك، أن هذا النظام ليس جهازاً مخصصاً لغرض واحد فقط.

لماذا تريد واشنطن التقليل من أهمية قدرات هذا النظام في تتبع الغواصات؟
صُممت بنية Dive-LD بطريقة تتيح له حمل حمولات وأجهزة استشعار متنوعة حسب طبيعة المهمة؛ فقد حددت الشركة المصنعة مهاماً تشمل الاستطلاع والمراقبة الاستخباراتية، وحرب الألغام، وعمليات مكافحة الغواصات، ورسم خرائط قاع البحر.
لذا، حتى لو قبلنا بالادعاء الأمريكي القائل بعدم وجود معدات حساسة في هذه الوحدة المحددة، فلا يمكننا استنتاج أن المنصة نفسها تمثل تقنية ثانوية أو عفا عليها الزمن.
التناقض في الرواية الأمريكية
تزداد المسألة خطورة عند النظر في تاريخ هذا النظام؛ فـ Dive-LD ليس نتاج شركة طورت تقنية قديمة منذ سنوات ثم تخلت عنها، بل استحوذت شركة "أندوريل" (Anduril) على شركة "دايف تكنولوجيز" (Dive Technologies) في عام 2022 وأدرجت تقنيتها ضمن محفظة منتجاتها.
كما طُرح النظام ضمن برامج أمريكية جديدة لتطوير وتوسيع نطاق الأنظمة البحرية ذاتية التشغيل. فقد أفاد موقع "ديفنس سكوب" (DefenseScoop) في عام 2024 بأنه تم اقتراح واختيار Dive-LD كجزء من المرحلة الثانية لبرنامج "ريplicator" (Replicator) التابع للبحرية الأمريكية، وهو برنامج يهدف أساساً إلى تطوير ونشر أعداد أكبر من الأنظمة ذاتية التشغيل وغير المأهولة في ساحة المعركة. وبعبارة أخرى، ورغم أن الوحدة التي فُقدت في مضيق هرمز ربما كانت تفتقر إلى بعض المعدات الحساسة من حيث تكوين المهمة، إلا أن هذا يختلف تماماً عن القول بـ "عدم الأهمية التكنولوجية".

لماذا تصر الولايات المتحدة على التقليل من شأن الحادثة؟
يجب البحث عن الإجابة في "حرب الروايات"؛ ففقدان نظام غير مأهول في بيئة عملياتية قد لا يكون حدثاً استثنائياً بالنسبة لقوة عسكرية بحد ذاته، ولكن عندما يقع هذا النظام في أيدي الطرف الآخر في منطقة مثل مضيق هرمز -المحاذي لأحد أهم مسارات الطاقة في العالم- فإن القضية لا تقتصر على سعر الجهاز أو قِدمه. تكمن أهمية الحادثة في فقدان نظام أمريكي -مُصمَّم لمهام العمل تحت سطح الماء والاستطلاع والمراقبة ورسم الخرائط- في منطقة حساسة، وإعلان الطرف الآخر عن تمكّنه من رصده والاستيلاء عليه. وفي ظل ظروف كهذه، فمن الطبيعي أن تسعى واشنطن للحد من التداعيات المعلوماتية والنفسية لهذا الحدث.
فعندما يتم تصوير النظام على أنه "قديم" و"معطوب" و"خالٍ من المعلومات الحساسة"، يتحول الفشل المحتمل في الرواية العامة -التي كانت تهدف لإبراز نجاح استخباراتي وعملياتي- إلى مجرد "عطل فني بسيط في المعدات".
ولكن ثمة نقطة أكثر أهمية:
حتى وإن صحت الرواية الأمريكية بشأن وجود خلل فني في هذا النظام، فإن ذلك لا يلغي بالضرورة قيمة العملية الإيرانية. وعلاوة على ذلك، يبرز سؤال أكثر أهمية: كيف تعطل نظام أمريكي ذاتي التشغيل يعمل تحت سطح الماء -وهو نظام مُصمَّم للعمل في بيئات صعبة ولفترات طويلة- في واحدة من أكثر المناطق البحرية حساسية في العالم، ليصبح بعد ذلك في متناول إيران؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تُعد أكثر أهمية لتقييم المستوى الحقيقي للقدرات الاستخباراتية والبحرية الإيرانية مقارنةً بالجدل الدعائي حول ما إذا كان النظام "قديماً أم جديداً".
لماذا ترغب واشنطن في التقليل من أهمية واقعة الاستيلاء على هذا النظام المخصص لمطاردة الغواصات؟!
من ناحية أخرى، تصف شركة "أندوريل" (Anduril) نظام "Dive-LD" بأنه نظام "قابل للاستهلاك" (expendable) في البيئات عالية المخاطر؛ أي أنه نظام صُمم في المقام الأول لمهام يُقبل فيها احتمال فقدان الجهاز. وينبغي أيضاً إدراك أن وصف "قابل للاستهلاك" لا يعني أنه عديم الفائدة.
في الحروب الحديثة، تُصمَّم العديد من الأنظمة غير المأهولة عمداً بحيث تكون تكلفة فقدانها أقل مقارنة باستخدام الأنظمة المأهولة. وتكمن قيمة مثل هذا النظام تحديداً في قدرته على دخول بيئات عالية المخاطر دون تعريض حياة الطاقم البشري للخطر.
هل هي عملية اصطياد "روبوت" أم محاولة للوصول إلى التكنولوجيا؟!
قد لا تكمن الأهمية الرئيسية لهذه الحادثة في هيكل "Dive-LD" -الذي يبلغ طوله عدة أمتار- بحد ذاته، بل فيما كان بداخله أو في بنيته التشغيلية. إذ تدفع الأنظمة تحت السطحية ذاتية التشغيل مستقبل الحرب البحرية نحو بيئة يمكن فيها تنفيذ جزء كبير من عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة الممرات البحرية، وكشف الألغام، ورسم الخرائط، وحتى عمليات مكافحة الغواصات، دون وجود بشري مباشر.
لذا، ففي كل مرة يقع فيها نظام من هذه الفئة في أيدي الطرف الآخر، لا تقتصر المسألة على مجرد فقدان قطعة من العتاد؛ بل تشمل أيضاً احتمالية فحص تصميمه، وأجهزة الاستشعار، وبنية الاتصالات، وأنظمة الملاحة، ونموذج المهمة الخاص به. وبالطبع، لا تتوفر حالياً معلومات علنية كافية حول المعدات التي كان يحملها النظام المُصادَر أو ما إذا كانت قد استُخرجت منه معلومات أم لا، ولا ينبغي ادعاء ما يتجاوز الأدلة المتاحة، لكن هذه النقطة توضح لماذا قد يكون للتقليل من أهمية هذه الحادثة -من جانب واشنطن- غرض إعلامي ونفسي أيضاً.
مضيق هرمز؛ حيث يكتسب الروبوت تحت المائي أهمية استراتيجية
لم تقع هذه الحادثة في منطقة عادية من العالم؛ فمضيق هرمز يُعد أحد أهم ممرات الطاقة الضيقة (نقاط الاختناق) في العالم، وقد أصبح أحد محاور المواجهة الرئيسية بين إيران والولايات المتحدة في الأشهر الأخيرة.
وفي بيئة كهذه، يتماشى استخدام الأنظمة تحت السطحية غير المأهولة -لمراقبة الممرات البحرية، وتحديد العوائق والألغام، وجمع المعلومات، ومسح البيئة تحت السطحية- تماماً مع منطق العمليات البحرية الحديثة. ومن هذا المنظور، لا يمكن تفسير الاستيلاء على "Dive-LD" بمجرد القول بأن "طائرة مسيرة قديمة قد تعطلت". ربما كانت الولايات المتحدة صادقة بشأن الحالة التشغيلية لهذه الوحدة المحددة؛ قد يكون النظام قد تعطل بالفعل، وربما لم تكن هناك أي معدات حساسة مثبتة عليه.

لماذا قد ترغب واشنطن في التقليل من أهمية عملية البحث عن الغواصة؟
لكن لا يمكن استنتاج أن التكنولوجيا المستخدمة غير مهمة أو عفا عليها الزمن بناءً على هذا التصريح؛ فالواقع التقني يشير إلى خلاف ذلك. فالنظام الذي يتمتع بقدرة على العمل المتواصل لمدة 10 أيام، وعمق تشغيلي يصل إلى 6000 متر، وبنية معيارية (قابلة للتعديل)، وقدرة على تنفيذ مهام استخباراتية وعسكرية متنوعة، يُعد جزءاً من الجيل نفسه من التقنيات ذاتية التشغيل التي يستثمر فيها الجيش الأمريكي بكثافة.
لا يمكن محو الفشل بمجرد تغيير مسماه
قد ترغب واشنطن في تصوير الحادثة على أنها "فشل لنظام قديم"، بينما ستصورها طهران -بطبيعة الحال- على أنها نجاح استخباراتي وعملياتي كبير. ولكن بين هاتين الروايتين، تبرز حقيقة تقنية لا يمكن طمسها بالدعاية الإعلامية: لقد نجحت إيران في الاستيلاء على نظام أمريكي كبير ومتطور مخصص للعمل تحت سطح البحر، وذلك في واحدة من أكثر المناطق العملياتية حساسية في المنطقة.
كيف خرج النظام من السيطرة الأمريكية؟ وما هي المعلومات التي كان يحملها؟ وما هي المعدات وأجهزة الاستشعار المثبتة عليه؟ وإلى أي مدى يمكن لإيران فحص تقنياته؟ كلها أسئلة ستزداد أهمية الإجابة عنها في الأيام المقبلة. ولعل النقطة الأهم هنا هي أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على مسألة "ما إذا كان الروبوت قديماً أم جديداً".
تكمن القضية الجوهرية في التنافس على امتلاك "عيون غير مأهولة" في أعماق البحار؛ وهو سباق بدأته الولايات المتحدة نفسها قبل سنوات، والآن أصبحت إحدى أدوات هذا الجيل الجديد من الحروب البحرية تحت تصرف خصمها في مضيق هرمز.
/انتهى/
تعليقك